بسم الله الرحمن الرحيم
                                         الكلمة الأسبوعية العاشرة بعنوان: المبذّرون   
                  

  
  
  خلق الله الخلق وكتب لكل مخلوق رزقه كاملاً دون نقصان ولا زيادة، فلن تموت نفسٌ حتى تستوفيَ رزقها الذي كتبه الله لها.

   كل المخلوقات رضيت بنصيبها الذي كُتب لها من غير أن تتعدّى على أبناء جنسها أو غيرهم من العوالم الأخرى، فالطير مثلاً يرضى بحقه من الرزق ولا يتجاوزه إلى أرزاق الآخرين من الأنعام الأخرى. فعندما جاء الهدهد إلى سليمان قال له متحدثاً عن طعامه فقط:« ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبأ في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون».


   فالخبأ هو طعام الطيور وهو ما يختبئ في الأرض من الهوام والحبوب وما يصادفها الطير في الهواء أثناء الطيران وهكذا باقي المخاليق كلهم راضين مطمئنين إلى ما خلقوا له دون النظر إلى غيرهم بالحسد والكراهية والعدوان.

  أما إذا نظرنا في أحوال الجنس الوحيد الذي لا يرضى بالكثير ولا بالقليل ولو كان له وادياً من ذهب لتمنى وادياً آخر ولو ملك الدنيا بأجمعها فهو يسعى في الطلب دون كلل ولا ملل.

   إنه الإنسان الذي أنزل الله عليه المنَّ والسلوى وأمطر عليه السماء ذهباً وكرّمه تكريماً فلم يرضى حتى عن الله، فما هي أحوال هذا المخلوق العجيب وكيف السبيل إلى تهدئة ثورانه وجموحه؟ وهو الذي يتصرف بكل ما أوتي دون مراعاة حقوق الآخرين.


   فنرى أناساً يُنفقون أموالاً طائلة على شراء حذاء أو قطعة صغيرة من حوائجه الشخصية، وهناك الكثير من أبناء جلدته يموتون من الجوع والعطش. فهل تجرَّد هؤلاء من الشعور الإنساني الذي يحتم على كل غني الإنفاق على الفقراء مع تقبيل أياديهم وعدم إشعارهم بأنه أفضل منهم ؟


   إنه التبذير والبزخ والترف عند الكثير من المغرورين الذين يحسبون أنهم سيضعون الدنيا في بطونهم فيجدون أنفسهم بعد حين في بطن الأرض مع العلم أنهم لن يستطيعوا إدخال الكثير من الأطعمة إلى بطونهم بسبب الأمراض التي حلت بأجسادهم كالسكري وغيره من الأمراض وباتوا يأكلون أطعمة مخلوقات أخرى.

   يقول الله عز وجل: «وآت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا».

   فهل نرضى بهذا الوصف ولا نُقلع عن تصرفاتنا ونعود إلى صوابنا ونقلد باقي المخلوقات المحيطة بنا والتي تعطينا أروع الأمثلة في التنظيم والسعي والعطاء كالنمل والطير والنجوم والكواكب وباقي العوالم؟.

   أخيراً لا بدّ من الإشارة إلى أمر مهم وتجارب كثيرة مضت من حياة السالفين كابنَي آدم وقارون وفرعون وهامان وغيرهم كثير، فعلوا ما يحلوا لهم وبَذَّروا كثيراً في المال والنساء والأملاك لكن النهاية كانت غير سعيدة والندم كان الصبغة الوحيدة لكل هؤلاء وأمثالهم.


   فهل ننتظر ذاك اليوم الذي نندم فيه، أم نعود لرشدنا ووعينا وإنسانيتنا ولما خلقنا له من الفطرة التي فطرنا من أجلها ؟



                               وإلى كلمة أخرى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

                        رئيس بلدية القرقف : محمد عبدالواحد الرفاعي