بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة الأسبوعية الثالثة والعشرون بعنوان: بياض الوجوه
وسوادها
إن الله تعالى قد خلقَ الألوان كلها وجعل لكل لون خصوصية يمتاز بها عن
الألوان الأخرى. فما هي العلاقة بين جميع الألوان؟ وما هو السبب الذي يميل بالطبائع
إلى ألوان دون أخرى؟
إنَّ الجوابَ على هذا التساؤل هو كلامُ رب العالمين الذي يقول فيه:«
يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه». فالسوادُ في طبيعته يرمز إلى الظلام والعتمة،
وغالباً ما يحصل ذلك بعد حرق الأشياء بالنار وانسدال الليل وذهاب النهار، والبياض
يدلُّ على الضوء والنور وانبلاج الصباح وسطوع الشمس.
ولكنَّ السوادَ الحقيقي هو الموصوف بقوله تعالى:«فأما الذين اسودّت
وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم».
والكفرُ هنا ليس إنكاراً للألوهية وإنما تغيير الحقائق وافتراء الكذب
وطغيان الهوى، عندها تَعمى البصيرة فلا يُرى إلا ما تشتهيه النفس وتقتضيه المصلحة
فتنبعث الأنانية التي تثمر حقداً وكراهية وبُعداً. فيسودُّ الوجه ونرى ذلك بأم
أعيننا على مثل هؤلاء لأن مصيرهم كما قال سبحانه:«فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ».
والعذاب هو غليانُ النفس بالمكائد وحرق أعصابها دون مبرر لأن واقع حالها بُعدٌ وكفر
وجحود، فكيف التخلص من هذا الواقع المرير؟
لكي نصلَ إلى مرحلة مريحة وسعيدة، فلا بُدَّ لنا من الولوج إلى البياض
والتخلص من هذا السواد المريع وترك هوى النفس والإرتقاء إلى المسامحة والمحبة
وتغليب مصالح الناس على مصالحنا الشخصية، عندها نصل إلى برّ الأمان بوجوه بيضاء
نقية. فالنفوس طيبة، والجوارح مسبِّحة، والأعصاب مرتاحة فينعكس البياض على الوجوه
رضىً واستبشاراً وطمأنينة وسلاماً، فنصل إلى الغاية المنشودة ألا وهي التي تتمثل في
قوله تعالى:«وأما الذين ابيضّت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون».
فالخلودُ هنا ليس بمعنى الأبدية، وإنما هو درجة راقية تؤهل أصحابها
للفوز بما هو أسمى وأعظم من الخلود ألا وهو النظر إلى الذات الإلهية في مستقر رحمة
الله عندها تحصل السعادة الأبدية ويحصل البياض الناصع الحقيقي، ويتجلى كلام الله
جلّ وعلا حيث يقول: « وجوه يومئذ ناضرةٌ إلى ربها ناظرة».
فيا أصحاب الوجوه
السوداء، أنصحكم بتبييض وجوهكم والمجال لا يزال مفتوحاً أمامكم وإلا فستخلدون في
سواد جهنم وبئس المصير وسيغمركم السواد من أعلى رؤوسكم إلى أخمص أقدامكم.
وإلى كلمة أخرى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
رئيس بلدية القرقف : محمد عبدالواحد الرفاعي

|